الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
32
نفحات الولاية
التّوبة ليسوّفها « 1 » إذا هجمت منيّته عليه أغفل ما يكون عنها » واستناد إلى أنّ جملة « أغفل ما يكون عنها » حالية فمفهوم العبارة هو أنّ مثل هذا الإنسان الأسير للشهوات والوساوس الشيطانية يكون في أشد مراحل الغفلة إذا هجم عليه الموت ، فان فتح عينه وأفاق إلى نفسه لا يرى أمامه إلّاالأجل وقد سبق السيف العذل . كما يحتمل إلّاتكون إذا شرطية في العبارة وتفيد المفاجئة والمباغتة ، فيكون مفهوم العبارة « يباغته الموت ، وهو في أشد حالات الغفلة » وبالطبع فانّ نتيجة كلا التعبيرين واحدة وهى حلول الموت دون الاستعداد له . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا : « فيالها حسرةً على كلّ ذي غفلةٍ أن يكون عمره عليه حجّةً ، وأن تؤدّيه أيّامه إلى الشّقوة ! » . أجل ليس هناك رأس مال أعظم من ساعات عمر الإنسان وأيامه ، فلعل ساعة من الساعات تقود الإنسان إلى ذروة الكمال والعظمة والمجد فيخرج الإنسان فيها على غرار الحربن يزيد الرياحي من زمرة الأشقياء ليلتحق بصفوف الصالحين والشهداء . أو يغتنم لحظة فيسدد ضربة موجعة لجسد الكفر بحيث يكون ثوابها أفضل من عبادة الثقلين ، ( كما صرح بذلك رسولاللَّه صلى الله عليه وآله بشأن ضربة علي عليه السلام يوم الخندق ) ، أو يبيت ليلة على فراش ليكسب تجارة عظيمة الربح والفائدة ، كالليلة التي بات فيها أمير المؤمنين علي عليه السلام على فراش رسولاللَّه صلى الله عليه وآله ليلة الهجرة . فلو غفل الإنسان عن قيمة هذه الساعات وا للحظات في حياته ولم يستشمرها بما يعادلها ، أفلا يدعو ذلك إلى الأسى والحزن ، ومن هنا أعرب الإمام عليه السلام عن أسفه وعمق حسرته على مثل هذا الإنسان وأخيراً يختتم الإمام عليه السلام خطبته بهذا الدعاء العظيم : « نسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا وإيّاكم ممّن لَاتبطره « 2 » نعمَةٌ وَلَا تقَصّر به عن طاعة ربّه غايةٌ ، ولَاتَحلّ به بَعدَ المَوت نَدَامَةٌ وَلَا كَآبَةٌ « 3 » » . فالإمام عليه السلام يعلم الجميع ثلاثة دروس بهذه العبارت التي أوردها بصيغة الدعاء : الأول
--> ( 1 ) « يسوفها » من « التسويف » بمعنى التأخير في العمل واصل العبارة « سوف أفعل كذا » . ( 2 ) « تبطر » من مادة « بطر » على وزن نظر بمعنى بقر الشئ ومنه « البيطار » الذي يبقر بطن الحيوان ، ثم أطلق علىكل طغيان وتجاوز للحد في السرور عند إقبال النعم ، ويمكن القول بان البطر السكر والغرور الذي تفرزه النعمة ، فالعبارة تعني لاتطغيه ولا تسدل على بصيرته حجاب الغفلة عما هو صائر إليه . ( 3 ) « كآبة » على وزن خرابة لها معنى المصدر واسم المصدر وتعني الامتعاظ والانكسار من الهم والحزن ، وقيل تطلق على الامتعاظ من الحزن الظاهر على الوجه .